مجمع البحوث الاسلامية

79

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

تبذارة وبيذارة : يبذّر ماله ، وكذا المباذر والمبذّر ، وفيه بذّارة وبذارة ، أي تبذير . ومنه : تفرّق القوم شذر بذر ، وشذر بذر ، أي تفرّقوا في كلّ وجه ، وكذا : تفرّقت إبله شذر بذر . ومن المجاز والتّوسّع أيضا : بذرت الكلام بين النّاس كما تبذر الحبوب ، أي أفشيته وفرّقته . ورجل بذور وبذير : يذيع الأسرار ولا يستطيع أن يكتم سرّه ، وكذا البذر ، يقال منه : بذر بذارة . ورجل هذرة بذرة ، وهيذارة بيذارة : كثير الكلام . هكذا ينبغي أن يكون تناقل المعاني وتكثّرها في هذه المادّة . 2 - والبزر : لغة في البذر ، وهو إمّا إبدال ، مثل : ذرق وزرق ، أي سلح الطّائر . وإمّا قلب من « برز » ، وهو لفظ فارسيّ بمعنى الحبّ والزّراعة أيضا ، ومثاله في العربيّة بئار وآبار ، جمع بئر . وإمّا لحن شائع بين العامّة ، تأثّرا بمن يبدل الذّال زايا من غير العرب كالفرس ، مثل : ذفر وزفر ، أي ما خبثت رائحته كالصّنان . وإمّا دخيل أخذه العرب من العبريّة ، وهو فيها بهذا المعنى أيضا . وقد جاء في عديد من النّصوص أنّ « البذر » في الحنطة والشّعير ، أو في الحبوب إطلاقا . والبزر في الرّياحين والبقول خاصّة . ولعلّه يختلف بحسب القبائل والأمكنة والأعصار . كما هو الحال في لغة العامّة . وقد ذكر هذه اللّغة جمّ غفير من متقدّمي اللّغويّين ومتأخّريهم ، كالخليل والجوهريّ والأزهريّ وابن فارس وابن سيدة والفيّوميّ وغيرهم . ولكن ابن دريد خطّأها ، واعتبرها من قول العامّة . الاستعمال القرآنيّ جاءت ثلاثة ألفاظ من هذه المادّة بالمعنى المجازيّ الموسّع ، وهو تفريق المال وإفساده ؛ فعلا ومصدرا واسم فاعل ، وكلّها من « بذّر » ، في آيتين متتاليتين من سورة مكّيّة : وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً الإسراء : 26 ، 27 . يلاحظ أوّلا : أنّ الآية الأولى ابتدأت بأمر وانتهت بنهي ، وأنّ الثّانية ابتدأت بتأكيد وانتهت بذمّ . ثانيا : وقد جاءتا في سياق آيات متتالية تتضمّن النّهي ، ابتداء بقوله تعالى : لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا الإسراء : 22 ، وانتهاء بقوله : وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً الإسراء : 39 . ثالثا : وفيها أسرار : 1 - البدء والختم ، كلاهما نهي عن الشّرك باللّه تعالى ، وعدا ذلك يتخلّل بينها . 2 - وهذا يرمز إلى أنّ النّواهي كلّها تتمحور حول الشّرك ، كما أنّ الأوامر تدور حول التّوحيد . 3 - ويخطر بالبال أنّ هذه الآيات بمثابة الأوامر العشرة في التّوراة ، وكثير منها نفس تلك الأوامر ، فلاحظ . 4 - ويدور سياق أغلب هذه الآيات - بما فيها من الأمر والنّهي - حول تهذيب النّفس ، ثمّ أمور الحياة المعاشيّة ، ثمّ نمط العبادة في إحدى عشرة آية دائرة حول